المقريزي
172
المقفى الكبير
واطلب بنفسك ما عفّت مكاسبه * وصان نفسك من ذلّ وإدناس ولا تغرّنّك الدنيا بزينتها * فإنّها فتنة تتلى بوسواس * * وقال لأبي جعفر في دواة خشب كان يكتب منها ومصلّى : أما آن لهذه الدواة والمصلّى أن يبدلا « 1 » ؟ فقال : ربّ مملول لا يستطاع فراقه . فقال سيبويه : ومحبوب لا يستطاع لقاؤه . فقال : هما سيّان . وأخذ شخص عصاه التي يتوكّأ عليها وقلبها فانقلعت منها شظيّة ، فقال : « يا أبا بكر ، اعذرني ! » - وكرّر قوله ، فقال له : يا سيّدنا ، كم هذا الاعتذار ؟ ولو كسرت لي أضلاعا ، وقطعت منّي باعا ، لما وجب [ 158 ب ] هذا الاعتذار . ما أنا فيما أقوله عندك إلّا كجالب التمر إلى هجر ، أو ناقل الماء إلى النهر ، أو مناطق سحبان ، أو مساجل معدّ بن عدنان . وجاء مرّة إلى الشريف أبي جعفر مسلّم الحسينيّ « 2 » فرحّب به فقال : جئت أيها الشريف في حاجة : أريد قبّة على بغل نقل يحمل جميع آلة السفر من وطاب وغطاء ومستعمل ، فإنّي خارج في غد إلى مسجد موسى أصلّي فيه وأدعو . فقال له مسلّم : السمع والطاعة . ما تفتح غدا باب دارك إلّا والجميع على الباب . ثمّ دعا بالفرّاشين فأخذوا ممّا يحتاجون إليه ، فقال له سيبويه : وحقّك يا شريف ، ما أخرج إلّا للصلاة ، والدعاء للمسلمين أن يريحهم اللّه من هذا الخصيّ الأسود « 3 » ، فقد كدّر الحياة ، وأعاب الولاة ، وأفسد الصلاة ، وما اللّه عنه بساه . ثمّ قام منصرفا ، فبقي مسلّم مطرقا ، وقال لجلسائه : ألا ترون أيّ بليّة ابتليت بها ؟ إن أرسلت إليه خفت من الأستاذ ، وإن لم أرسل إليه وقعت في لسانه وفي سبّه . فقال له تاجر يعرف بابن البختري : أنا أكفيك وأدعه الساعة يسألك أن لا ترسل إليه بشيء ، على شريطة [ أن ] تعطيني من ديني خمسمائة دينار . فقال : لا ، ولكن مائتين ، ما في خزانتي وحقّك غيرها . فخرج إلى سيبويه فجلس إليه في المسجد وسكت وهو يتنفّس . فقال له سيبويه : ما لك ؟ قال : خير . ثمّ عاد يتنفّس ، فقال : ما لك ؟ مات لك ولد ، أو تفرّق لك عدد ؟ أم أصبت في مالك ، أو في عقارك ؟ فقال : أسألك الدعاء على سلامة الشرابيّ ، فإنّه أخذ مالي وهتكني وأفقرني . وكان سلامة من أكابر القوّاد ، وهو منصف في المعاملة . فقال له : كفاك اللّه وأحسن إليك وخلّصك . فقال : يا سيّدي ، قد دعوت عليه في كل مسجد ، وما يصيبه شيء . وقيل لي : إنّ مسجد موسى الدعاء فيه مستجاب . فقال سيبويه : كذا هو . قال : فبعد أن استعرت دابّة خوّفوني . قال : من أيّ شيء ؟
--> ( 1 ) في المخطوط : أن يبدلان . ( 2 ) حاشية بإزاء هذا الاسم : أبو جعفر محمد بن عبيد اللّه بن طاهر بن يحيى بن الحسن . ( 3 ) حاشية أخرى : يعني كافور الإخشيديّ ، والحاشيتان من نفس الخطّ .